النووي
31
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
وَهَلْ يَلْحَقُ بِهَذِهِ الْأَعْذَارِ خَوْفُهُ مِنَ انْقِطَاعِ الْجِنْسِ قَبْلَ الْحُلُولِ ؟ وَجْهَانِ . الْأَصَحُّ : يَلْحَقُ . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُؤَدِّي غَرَضٌ سِوَى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ ، فَقَوْلَانِ ، أَصَحُّهُمَا : يُجْبَرُ ، وَإِنْ تَقَابَلَ غَرَضَاهُمَا ، فَالْمَرْعِيُّ جَانِبُ الْمُسْتَحِقِّ عَلَى الْمَذْهَبِ . وَقِيلَ بِطَرْدِ الْقَوْلَيْنِ ، وَعَكَسَ الْغَزَالِيُّ هَذَا التَّرْتِيبَ ، وَهُوَ شَاذٌّ مَرْدُودٌ . وَحُكْمُ سَائِرِ الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ فِيمَا ذَكَرْنَا حُكْمُ الْمُسْلَمِ فِيهِ . وَأَمَّا إِذَا كَانَ السَّلَمُ حَالًّا ، فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ فِي الْحَالِ . فَلَوْ أَتَى بِهِ الْمُسْلَمُ إِلَيْهِ ، فَامْتَنَعَ مِنْ قَبْضِهِ ، فَإِنْ كَانَ لِلدَّافِعِ غَرَضٌ سِوَى الْبَرَاءَةِ ، أُجْبِرَ عَلَى الْقَبُولِ ، وَإِلَّا ، فَالْمَذْهَبُ : أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ أَوِ الْإِبْرَاءِ . وَقِيلَ : عَلَى الْقَوْلَيْنِ ، وَحَيْثُ ثَبَتَ الْإِجْبَارُ ، فَلَوْ أَصَرَّ عَلَى الِامْتِنَاعِ ، أَخْذَهُ الْحَاكِمُ لَهُ . وَأَمَّا مَكَانُهُ : فَإِذَا قُلْنَا : يَتَعَيَّنُ مَكَانُ الْعَقْدِ لِلتَّسْلِيمِ ، أَوْ قُلْنَا : لَا يَتَعَيَّنُ فَعَيَّنَاهُ ، وَجَبَ التَّسْلِيمُ فِيهِ . فَلَوْ وَجَدَ الْمُسْلَمُ إِلَيْهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَكَانِ ، فَإِنْ كَانَ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ لَمْ يُطَالِبْ بِهِ . وَهَلْ يُطَالِبُ بِالْقِيمَةِ لِلْحَيْلُولَةِ ؟ وَجْهَانِ . الصَّحِيحُ : لَا ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الْعِوَضِ عَنِ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ غَيْرُ جَائِزٍ ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ ، فَعَلَى هَذَا ، لِلْمُسْلِمِ الْفَسْخُ وَاسْتِرْدَادُ رَأْسِ الْمَالِ ، كَمَا لَوِ انْقَطَعَ الْمُسْلَمُ فِيهِ . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ ، فَلَهُ مُطَالَبَتُهُ بِهِ ، وَأَشَارَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ إِلَى الْخِلَافِ فِيهِ . وَلَوْ ظَفَرَ الْمَالِكُ بِالْغَاصِبِ فِي غَيْرِ مَكَانِ الْغَصْبِ أَوِ الْإِتْلَافِ ، فَهَلْ لَهُ مُطَالَبَتُهُ بِالْمِثْلِ ؟ فِيهِ خِلَافٌ ، الْأَصَحُّ : لَيْسَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ إِلَّا بِالْقِيمَةِ . وَلَوْ أَتَى الْمُسْلَمُ إِلَيْهِ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ فِي غَيْرِ مَكَانِ التَّسْلِيمِ ، فَامْتَنَعَ الْمُسْتَحِقُّ مِنْ أَخْذِهِ ، فَإِنْ كَانَ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ ، أَوْ كَانَ الْمَوْضِعُ مُخَوِّفًا لَمْ يَجُزْ ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي التَّعْجِيلِ قَبْلَ الْمَحَلِّ . فَلَوْ رَضِيَ ، وَأَخَذَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُكَلِّفَهُ مُؤْنَةَ النَّقْلِ . قُلْتُ : أَصَحُّهُمَا : إِجْبَارُهُ . وَلَوِ اتَّفَقَ كَوْنُ رَأْسِ الْمَالِ عَلَى صِفَةِ الْمُسْلَمِ فِيهِ ، فَأَحْضَرَهُ ، فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ . أَصَحُّهُمَا : يَجِبُ قَبُولُهُ . وَالثَّانِي : لَا يَجُوزُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .